تقاريرشتات

ممارسات “الجيش الوطني” تحول دون عودة نازحي رأس العين إلى ديارهم

الحسكة – “يريدونك حياً أو ميتاً” كانت آخر رسالة تناهت إلى مسامع أبو ياسر، من أحد عناصر “الجيش الوطني السوري”(المعارضة المسلحة )، نقلها له أحد أقاربه المقيمين في مدينة رأس العين، والتي أصبحت رؤيتها بالنسبة له “حلماً لا يفارق مخيلته ليل نهار” بحسب وصفه.
يقطن أبو ياسر (اسم مستعار) اليوم مدينة الحسكة، شمال شرق سوريا، بعد أن نزح من مدينته رأس العين، إبّان العملية العسكرية التي شنّها الجيش التركي مع “الجيش الوطني السوري”، أحد فصائل المعارضة المسلحة السورية المدعومة تركياً، في الـ 9 من أكتوبر/ تشرين الأول 2019 تحت مسمى “نبع السلام”، بغية السيطرة على منطقتي رأس العين وتل أبيض، بعد إخراج مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (تحالف فصائل كردية وعربية مدعومة من التحالف الدولي لمحاربة “تنظيم الدولة” والمعروف بـ”قسد”).
بعد بدء العملية بنحو ثلاث ساعات، قرر أبو ياسر الذي ينحدر من أصول كردية، النزوح، حيث تعرض فناء منزله للقصف من قبل المقاتلات الحربية التركية، وقال لـ”ماري”: “لو بقيت لليوم التالي كنت سأبقى عالقاً، لاسيما وأن هؤلاء المرتزقة سيطروا على الطريق الذي سلكناه من أجل الخروج”.

وبحسب جيهان محمد الرئيسة المشتركة لـ”هيئة الشؤون الاجتماعية والعمل” التابعة لـ”الإدارة الذاتية” فإن “نبع السلام” أدت إلى نزوح ما يقارب الـ300 ألف شخص من منطقتي رأس العين وتل أبيض، وكانت الأمم المتحدة قد توقعت نزوح ما يقارب الـ400 ألف شخص نتيجة العملية العسكرية التركية في شمالي سوريا.

اتهام يدفع ثمنه مليار ليرة

ساق “الجيش الوطني” لأبو ياسر تهمة الانتماء لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، وهو الأمر الذي ينفيه الرجل الخمسيني بالقطع، ويقول: “بإمكانكم سؤال كائناً من كان من رأس العين إذا ما حملت السلاح يوماً ما”، وتقاطعت شهادات أدلى بها عدد من أهالي رأس العين لـ”ماري” مع شهادة أبو ياسر، ، بأن الأخير لم يكن مقاتلاً ضمن صفوف “قسد”، لكنه كان يعمل ضمن أحد المجالس المدنية التابعة للإدارة الذاتية.

“الخطف، سلب الممتلكات، فرض الإتاوات، والقتل” بعض الممارسات التي ساقها أبو ياسر ضد “الجيش الوطني”، ويتابع أبو ياسر كلامه: “خسائري أنا فقط تقارب المليار ليرة سورية ( 781.250 دولاراً أميركياً)، حيث أنهم استولوا على 500 دونم من الأراضي الزراعية، ومطحنة حبوب كنت أملكها، إضافة إلى البناء الذي كنت أقطنه مع أولادي، والمحال التجارية الخمسة داخل سوق المدينة، وكذلك محل لبيع مستلزمات الشوادر”.

ويتهم أبو ياسر فرقة الحمزات (إحدى فصائل الجيش الوطني السوري تشكلت في العام 2016) بالاستيلاء على منزله. وتواصلت “ماري” مع عدد من أهالي رأس العين والذين أكدوا صحة أقواله.

طفلة نازحة في مخيم واشوكاني غرب مدينة الحسكة، تصوير هوشنك حسن، كانون الثاني/يناير 2020

الوالد مقابل 5000 دولار

مأساة جاسم المحمد، لا تقل عن مأساة أبو ياسر، وجاسم هو أحد نازحي رأس العين، ويقطن في مخيم لإيواء نازحي المدينة، المتوزعين على المخيم و64 مركزاً (مراكز إيواء النازحين)، افتتحته الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بالقرب من بلدة التوينة (12 كم غربي مركز مدينة الحسكة).

 معظم النازحين الذين تلتقيهم ضمن المخيم يتحدثون عن انتهاكات الجيش الوطني بحقهم أو أحد أقاربهم، طالبت فرقة السلطان مراد (إحدى فصائل الجيش الوطني، تشكلت في العام 2013) جاسم محمد عبر اتصال هاتفي بفدية مالية تبلغ 5 آلاف دولار أمريكي لإطلاق سراح والده، البالغ من العمر 60 عاماً بعد اختطافه من منزله في قرية ليلان (حوالي 20 كم جنوبي رأس العين)، حيث اضطر للعودة  لتفقد ممتلكات منزله بعد أيام من الحملة العسكرية، ويقول المحمد “اضطررنا لبيع الجرار الزراعي الوحيد الذي كنا نملكه ودفعا ثمنه للفرقة لتقوم بعدها بإطلاق سراح الوالد”.

ونتيجة لممارسات كهذه يخشى نازحو رأس العين العودة إلى مدينتهم بالرغم من انتهاء العمليات القتالية هناك.

يرجع خوف الأهالي نتيجة للأخبار الواردة من مناطق سيطرة فصائل المعارضة شمال حلب، إذ باتت الفوضى الأمنية السمة الرئيسية لمناطق سيطرة فصائل المعارضة السورية المدعومة تركياً في مناطق ما يعرف بـ”درع الفرات” و “غصن زيتون” شمال حلب، والتي تطال مدنيين عرب وأكراد على حد سواء بما فيهم المناهضين لقوات “قسد”.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان، ومقره بريطانيا، يوم أمس السبت، أن الفصائل السورية المدعومة تركياً في منطقة عفرين (غصن زيتون) شمال غرب حلب، اعتقلت ثلاثة أشخاص من أبناء قرية أبرز في ريف عفرين، واقتادتهم إلى مكان مجهول، مضيفاً أنه رصد في 23 آذار/ مارس “اختطاف واعتقال 8 مواطنين في ناحيتي بلبل ومعبطلي بريف عفرين والمنطقة الصناعية بمدينة عفرين، بتهم وذرائع متفرقة”.

وأصدرت الفرقة 20 المنضوية في الجيش الوطني السوري، اليوم الأحد، قراراً بفصل قادة وعناصر أحد الألوية التابعة لها، دون أن توضح الأسباب التي دفعتها لذلك. وجاء في البيان “اعتباراً من تاريخه يعتبر اللواء 90 (شهداء بدر) قادة وأفراد خارج مرتبات الفرقة 20”.

تصرفات فردية!

تواصلت “ماري” مع المتحدث الرسمي باسم “الجيش الوطني السوري، الرائد يوسف حمود، للتعليق على هذه الاتهامات التي رفضها بشكل قاطع، وأكد “وجود تصرفات فردية من قبل بعض عناصر الجيش الوطني التي لا ترتقي إلى انتهاكات وفق القانون الدولي، إنما هي تصرفات سيئة بحق المدنيين، ومن الطبيعي حدوثها” بحسب قوله!

وأشار الحمود إلى أنهم “قوات تحرير وليسوا قوات احتلال” لذلك تبنى الجيش الوطني استراتيجية “القوة الناعمة” في سبيل عدم إلحاق الأذى بأي مدني!

وقال الرئيس المشترك لهيئة الصحة التابعة للإدارة الذاتية جوان مصطفى في تصريح لـ”ماري” بأن “نبع السلام” أدى إلى مقتل352 وإصابة 1521 مدنياً.

واستطرد الحمود بأنه تم تشكيل لجنة متابعة للتحقيق في هذه التصرفات ومحاسبة هؤلاء العناصر، وتقوم تلك اللجنة بإرسال نتائج عملها إلى المحكمة العسكرية، التي تم تشكيلها منذ بداية” نبع السلام”.

أطفال نازحون  في مخيم واشوكاني غرب مدينة الحسكة، تصوير هوشنك حسن، كانون الثاني/يناير 2020

الانتهاكات في تزايد

يكشف التقرير الشهري الصادر عن “مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا”، وهو مركز مستقل مقره ألمانيا، تزايد الانتهاكات التي تقوم بها القوات التركية والفصائل السورية المدعومة منها، حيث يقول المركز أنه وثّق خلال شهر شباط/فبراير للعام 2020 اعتقال 194 شخصاً، 22 منهم تعرضوا للتعذيب ومطالبة ذوي 41 آخرين بفدية مالية فقط ضمن مناطق “نبع السلام”، ناهيك عن الانتهاكات ضمن منطقي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” التي تشهد انتهاكاتً أكثر، بحسب تقارير المركز الأسبوعية والشهرية.

وبلغ عدد حالات الاعتقال في شهر كانون الأول/ يناير 144 شخص، وطالبوا ذوي 25 منهم بدفع فدية مالية.

مدير المركز مصطفى عبدي أفاد في تصريح لـ ماري” بأن “قسم من السكان عاد بعد غزو المدينة”، في إشارةٍ منه إلى مدينة رأس العين، وأردف “لكن كثيرين منهم تعرضوا للاعتقال والخطف والتعذيب. قتل إلى الآن 9 منهم تحت التعذيب وهي كانت رسالة واضحة بأن الفصائل المسيطرة والتي قسمت المدينة والأرياف إلى قطاعات تسيطر عليها فصائل مختلفة وأحياناً متناحرة فيما بينها، هذه الجماعات لها قضائها المستقل وسجونها الخاصة ولا تلتزم بأي تعهدات لوقف الانتهاكات”.

معاناة أبو ياسر وجاسم محمد جزء يسير من معاناة أكبر، فقد أشار عبدي إلى توثيقهم لمئات حالات ” ابتزاز الأهالي تحت التهديد ومطالبتهن بمبالغ مالية ضخمة أو خطفهم”، ولم يخفي عبدي صعوبة العمل حيث يخشى الكثير من المدنيين الإفصاح عما تعرضوا لهم “خوفاً من الانتقام”.

 

هوشنك حسن

هوشنك حسن صحفي كردي سوري، يقيم في القامشلي شمال سوريا. حصل على جائزة أفضل صحفي في شمال شرق سوريا عن فئة التقارير المرئية لعام 2019 من إتحاد الإعلام الحر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق