تقارير

أطراف النزاع شمال سوريا: ما تفسده ساحات القتال تصلحه معابر التهريب

في محاولة منها لتجنيب الشمال من تفشي وباء كورونا، أعلنت الحكومة السورية المؤقتة المعارضة في منتصف آذار/مارس الماضي، إغلاق المعابر التي تصل المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة بكل من مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومناطق سيطرة الحكومة السورية.
بيد أن هذا القرار والإجراءات التي اتخذتها الحكومة المؤقتة ومنظمة الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) والمؤسسات الإنسانية والفعاليات المدنية تفسدها عمليات التهريب التي تجري عبر المعابر الواصلة مناطق المعارضة بمناطق قسد وحكومة دمشق، ما دفع ناشطين في شمال سوريا لاطلاق حملة تحت اسم “معابر الموت”.

وحتى اللحظة لم تسجل مناطق المعارضة شمال وشمال غرب سوريا أية إصابات بفيروس كورونا، إلا أن الأمم المتحدة ومنظمات دولية تصدر تحذيرات متكررة من تسلل حالات مصابة إلى هذه المناطق، “واحتمال انتشار الفيروس بين المدنيين، الذين يعانون أساساً من أوضاع متردية للغاية”.

معابر الموت

يوجد في مناطق شمال سوريا معبران رئيسيان وهما معبر “عون الدادات” الذي يصل مناطق سيطرة المعارضة في مدينة جرابلس شرقي حلب مع مدينة منبج الخاضعة لسيطرة قوات قسد، والمعبر الثاني وهو معبر “أبو الزندين” جنوب مدينة الباب شرقي حلب والذي يصل مدينة الباب بمناطق سيطرة الحكومة السورية، بالإضافة لمعبر ثالث وهو صغير نسبيا ويدعى بـ”معبر الحمران” ويصل مدينة جرابلس بمدينة منبج.

إذ تجري عمليات التهريب ضمن المعابر المذكورة وعبر الحدود الفاصلة بين مناطق أطراف النزاع بشكل يومي ذهاباً وإياباً، ويتم خلالها تهريب المحروقات والمعادن والمواد الغذائية والطبية، وحتى البشر الراغبين بمغادرة المنطقة أو الدخول إليها.

حركة الأهالي في معبر عون الدادات. تصوير: جلال سليمان، 11/4/2020

والتقت “ماري” العديد من سكان المناطق القريبة من المعابر المذكورة لمعرفة حجم عمليات التهريب، وقال محمد أبو معروف، من سكان مدينة جرابلس المقابلة لمدينة منبج، أن “عسكريين يتبعون للجيش الوطني التابع للمعارضة هم من يشرفون على عمليات التهريب في جرابلس”.
مؤكداً أنه رأى عمليات التهريب بنفسه وشاهد عناصر عناصر من الجيش الوطني السوري المدعوم تركياً من أبناء مدينته يقومون بعمليات تهريب باتجاه مدينة منبج، مضيفاً “عمليات التهريب بين جرابلس ومنبج تتم عبر قريتي السكرية الكبيرة وقرية الدادات الخاضعتين لسيطرة فصائل المعارضة، ويقابلهما قرى مخزوم وكوخار في مناطق سيطرة قسد”. 

الفصل للمتلبسين
زادت وتيرة عمليات التهريب عقب صدور قرار إغلاق المعابر، ووفق أبو معروف فإن العمليات تتم ليلاً ونهاراً، مشيراً إلى أنه شاهد “صهاريج محملة بالمحروقات” تعبر من معبر عون الدادات إلى مناطق المعارضة قادمة من مناطق قسد” بعد قرار الحكومة المؤقتة إغلاق المعابر.

وقال أبو عبدو، من أبناء مدينة الباب شمال حلب، والذي طلب من ماري عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، أنه شاهد عمليات تهريب بين مناطق المعارضة ومناطق سيطرة الحكومة السورية، متهماً الجيش الوطني بالإشراف على عمليات التهريب.

وأوضح أبو عبدو أن “عمليات التهريب تتم عبر قرى السكرية الصغيرة والتفريعة الصغيرة في مناطق سيطرة المعارضة والتي يقابلها قريتا جب الخفي وجب السلطان في مناطق سيطرة النظام”. مضيفاً أنه شاهد عناصر من أبناء مدينته منضوين في الجيش الوطني يشرفون على عمليات التهريب.

ورداً على هذه الاتهامات، قال الناطق الرسمي باسم الجيش الوطني، يوسف الحمود، لـ”ماري” أن “قيادة الجيش الوطني وجهت عدة طلبات لقادة الفيالق والشرطة العسكرية لاتخاذ الإجراءات المناسبة للحد من عمليات التهريب، والضرب على يد كل من تسول له نفسه الاضرار بالمنطقة  سواء أكان يتبع للجيش الوطني أم كان مدنياً”.
ولم يفند حمود شهادات الأهالي التي سقناها له حول تورط عدد من عناصر الجيش الوطني في عملية التهريب، لكنه نفى ضبط أي حالة تهريب، مؤكداً أنهم يعلمون بتورط عناصر من الجيش الوطني في عمليات التهريب “وسيتم محاسبتهم بعد الإمساك بهم متلبسين، وعقوبة الفصل من الجيش الوطني والسجن بعد المحاكمة العسكرية تنتظر من يتم ضبطه”.

شاحنات التهريب في إحدى مناطق التهريب بين مناطق قسد والجيش الوطني. تصوير: جلال سليمان، 11/4/2020

ما تفسده ساحات القتال يجمعه تهريب المعابر

أكد قائد الفيلق الثاني في الجيش الوطني، محمود الباز، لـ”وكالة ماري” وجود حالات تهريب في مناطق سيطرتهم، موضحاً أن من “يقوم بها إما مدنيون من أبناء مناطق التهريب أو عسكريون انضموا  لاحقا  لصفوف الجيش الوطني، وهم قادة مجموعات ترابط هناك”، واصفاً إياهم بـ”أصحاب الأنفس الضعيفة”.

وأضاف الباز، أنه “بعد إغلاق المعابر الرسمية، بدأت رجالات النظام بتشجيع المهربين على إدخال المواد المهربة لحاجته لها، وبالتالي زادت المبالغ المدفوعة لقاء ذلك، وأصبحت سبباً في عدم اكتراث الكثيرين لخطورة عدم وقف التهريب، لاسيما من مناطق النظام التي ظهرت فيها حالات إصابة بكورونا”.

وحول الإجراءات المتخذة لوقف عمليات التهريب، لفت إلى أن “قيادة الفيالق كلفت قائد القوة المركزية في الجيش الوطني السوري وقيادة الشرطة في جرابلس بتنفيذ دوريات مفاجئة على مناطق التهريب لضبطها ما أمكن، وملاحقة المتورطين بهذه الأعمال، بالإضافة لإجراءات جولات على نقاط الرباط لتوعية العناصر بخطورة الأمر ووضعهم تحت المسؤولية”.

وسعت “ماري” للحصول على رد رسمي من وزير الإدارة المحلية في الحكومة السورية المؤقتة، محمد سعيد سليمان، إلا أنه رفض التعليق على الأخبار الواردة حول عمليات التهريب التي تجري في المناطق الخاضعة لسلطة الحكومة المؤقتة، وتهرب سليمان من الأسئلة التي وجهت إليه عبر اتصال هاتفي بالقول أنه “لا أملك معلومات حول الموضوع المثار.

ناشطون يدقون ناقوس الخطر

نشر ناشطون وصحفيون وبعض الشخصيات العاملة في المجالس المحلية وفصائل الجيش الوطني تغريدات ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي منها ما يدعو لإغلاق طرق التهريب على الفور، وأخرى تهاجم قادة عسكريين في الفصائل لعدم اتخاذهم أي إجراءات ملموسة تمنع من احتمالية تفشي الفيروس، بينما أصدر اتحاد الإعلاميين السوريين بياناً يدعو فيه العسكريين إلى تغليب “المصلحة العامة على المصلحة الشخصية الضيقة” وفق تعبيره.

وشدد الناشط الإعلامي هادي العبد الله، في تسجيل مصور له على ضرورة أن يتعامل المسؤولون في الشمال السوري بجدية بما يخص التهريب، محذراً أنه “في حال تسلل فيروس كورونا إلى المنطقة، فستحل كارثة إنسانية ستطال مخيمات النازحين”.

حالة واحدة كفيلة بالتسبب بكارثة إنسانية

وصف نقيب أطباء الشمال السوري المعارض، الدكتور محمد وليد تامر، مناطق التهريب بـ”الخاصرة الضعيفة أمام فيروس كورونا”، مضيفاً في حديثه لـ”ماري”، “في حال دخل منها [المعابر] حالة إصابة واحدة، فهي [الحالة المصابة] كافية للتسبب بكارثة إنسانية وصحية بين السكان”.

وشدد تامر على “ضرورة وقف كافة أشكال التهريب سواء للبشر أو البضائع لحين انتهاء موجة انتشار وباء كورونا”، وحمل كل من يساهم أو يساعد أو يقوم بالتهريب مسؤولية وقوع أيّ إصابات بين سكان المنطقة الذين يعيشون ظروفاً إنسانية صعبة، معتبراً أن “انتشار فيروس كورونا شمال سوريا، سيكون الأسوأ عالمياً، وكارثياً بسبب تردي النظام الصحي، وعدم قدرة المراكز الطبية على احتواء حالات الإصابة”.

ووجَّه تامر رسالة إلى قيادة الجيش الوطني والحكومة المؤقتة يطالبهم بأن يكونوا على قدر من المسؤولية، معتبراً أن “ما يجري الآن فرصة أمام الحكومة والجيش لإثبات أنفسهم أمام الحاضنة الشعبية، وأنهم على خلاف النظام غير المهتم بحياة السوريين”.

جلال سليمان

صحفي سوري، أقيم شمال حلب، عملت مع العديد من وسائل الإعلام العربية والدولية. حصلت على شهادة في الإقتصاد من جامعة حلب عام 2011، والإعلام من جامعة الزهراء الدولية عام 2016.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق