مقابلات

متطوعة في “الخوذ البيضاء” حاصلة على جائزة غاندي للسلام: عملنا ليس وظيفة تنتهي في وقت ما

عمّان – نالت المتطوعة في الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) سارة الحوراني، جائزة غاندي للسلام، والتي منحتها إياها منظمة “تعزيز السلام الدائم”، في 28 آذار/ مارس الماضي، تقديراً لجهودها المبذولة في العمل الإنساني، وإنقاذ الأرواح.  

وهي جائزة شبه سنوية، وإحدى أرقى جوائز السلام الأميركية، تمنح لأشخاص قدموا على المدى الطويل مساهمة كبيرة في تعزيز سلام دولي يحمل رسائل العدالة والرحمة وتقرير المصير. ومنذ العام 2012 اعتمدت المنظمة نمطاً جديداً لميدالية جائزة غاندي للسلام، من خلال صناعة الميدالية من النحاس المعاد تدويره من أنظمة الصواريخ النووية التي تم نزعها.

ميسون المصري، المعروفة باسم “سارة الحوراني”، ابنة درعا، والتي تعيش اليوم في كندا، عملت لصالح الدفاع المدني منذ تاريخ تأسيسه في محافظة درعا أواخر 2014 وحتى خروجها في تموز/ يوليو 2018، عبر عملية إجلاء دولية لعناصر الخوذ البيضاء، تمت عبر الجولان المحتل، نقلوا خلال مجموعة من العناصر وعائلاتهم إلى الأردن من أجل توطينهم فيما بعد في: كندا، بريطانيا، وألمانيا.

وعلى الرغم من أن الحوراني تحمل شهادة جامعية في الصحافة والإعلام، وعملت خلال السنوات الماضية كصحفية تغطي ما يجري في مدينتها درعا، إلا أنها اعتبرت العمل في الخوذ البيضاء “أحب” إليها من العمل الصحفي.

وفي السنوات الأخيرة قبل خروجها من درعا، طورت الحوراني من مهاراتها من متطوعة إلى مدربة في الإسعافات الأولية والعديد من المجالات في أعمال الدفاع المدني وإنقاذ الأرواح، في محاولة لنقل ما اكتسبته إلى الآخرين، مؤكدة على “ضرورة نقل المهارات والمعلومات المكتسبة للغير”.

وقالت الحوراني في مقابلة أجراها الزميل إياد محمد مظهر، أن “الجائزة [جاءت] رداً على ادعاءات النظام [السوري] بأن متطوعوا الدفاع المدني إرهابيين” مشيرة إلى أهمية اعتراف المنظمات الدولية بالجهود المبذولة من قبل عناصر الدفاع المدني السوري.

كيف تلقيتِ خبر جائزة “غاندي للسلام”؟ وماذا يعني لكِ ذلك؟

شعور جيد أن يتم تكريمك، والاعتراف بالجهود التي قدمتها منظمة الدفاع المدني السوري من قبل الهيئات، والمنظمات العالمية، وسط تجاهل كبير من قبل الحكومات، والدول لمأساة الشعب السوري، وأن يعاد تسليط الضوء على تلك المعاناة ولو بشكل بسيط، إنه أمر رائع، ويعني لنا كعناصر متطوعة بالدفاع المدني أن عملنا قادر على إحداث أثر ولو صغير خارج حدود الوطن، ورداً على الإدعاءات من قبل النظام وحلفائه بأننا إرهابيين.

متى موعد استلام الجائزة؟ ولمن تهديها؟

سيكون تسليم الجائزة في الشهر التاسع من هذا العام في الولايات المتحدة الأميركية في حال انتهاء أزمة كورونا، وقرار حظر السفر بين الدول. أهدي هذه الجائزة لجميع العناصر والشهداء والجرحى في الدفاع المدني السوري، ولجميع الشعب السوري المؤمن بعمل أصحاب الخوذ البيضاء.

 لماذا قررتِ الانضمام للدفاع المدني، ومتى كان ذلك؟

انضممت للدفاع المدني السوري منذ تأسيسه في محافظة درعا أواخر عام 2014. قرار انضمامي جاء مبنياً على رغبتي في مساعدة الأهالي، خاصة بسبب ندرة العناصر العاملة في مجال الإسعاف وقلتها في المناطق المحررة [المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية جنوب سوريا، سابقاً]، ولعل حادثة استشهاد أخي برصاص قناصة قوات الأسد وعدم قدرتنا على إسعافه، كانت الدافع الأكبر في هذا القرار، وحتى لا تتكرر المأساة لدى أسرة أخرى، وكي نكون قادرين على تأمين الإسعافات لأي شخص يحتاجها.

ما هي الدورات التدريبية التي خضعت لها، وما أكثرها أهمية؟ وهل هناك فرق في أن تكوني متطوعة ومدربة؟

خضعت لدورات متطورة في الإسعافات الأولية والتوعية، وكل الدورات كانت بالتزامن مع العمل في الدفاع المدني وبشكل دوري، أكثرها أهمية كانت دورة الإسعافات الأولية، كونها مهمة في إنقاذ حياة الآخرين والتخفيف من معاناتهم.

لايمكن الفصل بين اكتساب الخبرات ونقلها للآخرين، فالعمل في هذا المجال يكمل بعضه البعض، واكتساب المعلومات والخبرات لا يتوقف أبداً، ومهما وصلنا لمرحلة متقدمة يبقى أمامنا الكثير لنتعلمه ونبقى بحاجة لتلقي المعلومات، في الوقت ذاته نقل الخبرات والمعلومات لأشخاص لديهم ذات الرغبة بالتعلم ومساعدة الآخرين أمر متداخل، ولا يمكن فصل إحداهما عن الآخر.

في تموز/ يوليو 2018 غادرتي سوريا ضمن قوافل الإجلاء إلى الأردن ثم كندا، هل أنتِ نادمة على هذه الخطوة، وهل قطع اتصالك بالخوذ البيضاء؟

لم يكن لدينا خيار البقاء في سوريا، أتيحت لي أكثر من فرصة قبل ذلك لمغادرة سورية، لكنني قررت البقاء فيها طالما لدي القدرة على مساعدة الأهالي وتأمين المساحة الآمنة نوعاً ما في العمل والعيش بسوريا، لكن للأسف بعد سيطرة قوات الأسد على درعا، أجبرنا على الخروج حفاظاً على أرواحنا وأرواح عائلاتنا، خاصة من الاعتقال الذي كان الدافع الوحيد للمغادرة، لم أخشى يوماً خلال عملي الموت، سواء الإعلامي أو في الدفاع المدني، لكن الهاجس الكبير كان دوماً الاعتقال وأساليب التعذيب التي يمارسها عناصر الأسد على المعتقلين، والتي لا يمكن لبشر أن يحتملها.

 لم أقطع علاقتي مع الدفاع المدني، عملنا ليس وظيفة تنتهي في وقت ما، بل هو واجب وروح تعيش في داخلنا ولن يتوقف حتى مماتنا.

كيف تغيرت حياتك من امرأة “مناضلة” في الدفاع المدني تحاول إنقاذ الأرواح، إلى لاجئة في كندا؟ وما هي رسالتك للنساء العاملات في هذا المجال؟

لم يكن الأمر سهلاً، خاصة بعد العمل والتضحيات التي قدمها أهلنا، أن نخرج مذلولين من بلدنا ونصبح لاجئين نبحث عن بعض الاستقرار والأمان لن نكون أسوياء أبداً، خاصة مع الألم الكبير الذي يعيش بداخلنا حتى هذه اللحظة، لم أستطع التأقلم جسدي هنا في كندا وروحي في درعا، ليس من السهولة لأشخاص مثلنا أن يعيشوا على الهامش، وفي المنفى، مكاننا بين أهلنا، لكن للأسف هذا ما حصل وأسعى لمداواة جراحي، لكنها عميقة بسبب كمية الإنكسار والخذلان التي تعرضنا لها، والإحساس بالذنب على ترك أهلنا في سوريا والنجاة بأنفسنا. 

العناصر النسائية لسن بحاجة لكلمات مني، فمن اختارت هذا الطريق هي إنسانة مميزة وتعرف الثمن الكبير الذي ستدفعه، فهن سيدات لديهن من القوة والإرادة ما لا يعلمه أي إنسان. حب التطوع أمر يأتي بشكل ذاتي، ويستمر مع الإنسان حتى اللحظات الأخيرة.

ما هي أكثر المواقف صعوبة خلال مسيرتك التطوعية؟ و ما هو طموحك المستقبلي ؟

أكثر المواقف صعوبة خلال مسيرتي التطوعية، هي اللحظات التي غادرت فيها سوريا، تاركة كل شيء خلفي دون الحلم بالرجوع، لقد خرجنا بملابسنا وأوراقنا الثبوتية فقط دون أن نودع الأهل والأحبة.

نحن تركنا أهلنا في الداخل دون مساعدة، لقد خذلناهم للأسف كما خذلهم العالم، وأخيراً آمل أن يكون أهلنا بسورية بخير وأن نكون قادرين يوما ما على مساعدتهم مرة أخرى ونكون بينهم.

الوسوم

إياد محمد مظهر

صحفي سوري، من دمشق، درس الفلسفة في جامعة دمشق، وبعد وصوله إلى الأردن عام 2012، عمل مع العديد من وسائل الإعلام السورية والإقليمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق