غير مصنف

كورونا يكشف ضعف إغاثة “الخدّج” وحديثي الولادة في الشمال السوري

إدلب – تمكن الكادر الطبي في المشفى “112 التخصصي للنسائية والأطفال” في منطقة حارم بريف إدلب شمال غرب سوريا من معالجة حالة طبية نادرة لطفل حديث الولادة، يدعى يوسف البرهوم، بإمكانيات طبية متواضعة وبظروف قاسية، بعد رفض السلطات التركية السماح بدخول الطفل إلى أراضيها لتلقي العلاج، نتيجة الإجراءات التي اتخذتها في  13 آذار/مارس الماضي، للحد من انتشار فيروس كورونا.

ولكن مقابل النجاح في معالجة الطفل يوسف، تفشل محاولات عديدة لإنقاذ أطفال حديثي الولادة “خدّج” في شمال غرب سوريا. وسعت “ماري” للحصول على إحصاءات رسمية لأعداد الأطفال المتوفين من مديرية الصحة في إدلب، التي امتنعت عن مشاركتنا أي بيانات بحجة “أن وفيات عديدة تحصل خارج المشافي الخاضعة لإشراف مباشر منها”.

وتُفقِد الطاقة الاستيعابية المحدودة لمشافي شمال غرب سوريا، عشرات الخدّج فرصهم في الحياة، سيما الحالات التي تحتاج عناية خاصة، ولأجهزة طبية غير متوفرة في تلك المراكز الطبية، كما أن كلف التشغيل العالية لحواضن الأطفال تقلل من فرص نجاتهم.
إذ تبلغ الكلفة اليومية لتشغيل الحاضنة بين 25 – 35 دولار، تتضمن الوقود والأدوية، وقد تزيد الأرقام عن ذلك تبعاً لنوعية الأدوية والعلاج المقدم للطفل المريض، أي أن المشفى الذي يضم 5 حاضنات يحتاج لأكثر من 125 دولار يومياً، كمصروف تشغيلي لقسم الحواضن، وفقا لإدارة المشفى “112 التخصصي”.
ونتيجة لعدد الحاضنات المحدود، فارقت الطفلة نادية شحادة، الحياة بعد يومين من ولادتها، في 9 نيسان/أبريل الماضي، لعدم توفر منفسة وحاضنة، حيث كانت تعاني من “ذات رئة” وأمراض مرافقة عند الولادة، حسب ما قال والد الطفلة لـ”ماري”.

طفل حديث الولادة في حاضنة بإحدى مشافي إدلب. تصوير: إبراهيم الشمالي، 10/6/2020

التعويل على الخدمات المحلية “المتواضعة”

شخّص الطبيب محمد عبدو -الذي أشرف على علاج الطفل يوسف البرهوم- حالة يوسف، ووجد لديه تسرع شديد في نبضات القلب، التي قد وصلت إلى 250 نبضة في الدقيقة، إضافة إلى “زلة تنفسية” (ضائقة تنفسية)، و”سحب بين الأضلاع”، و”هذه الأعراض يمكن أن تؤدي لقصور قلب خلال ساعات”، وبذلك أصبح يوسف “بحاجة إلى إيكو قلب إسعافي ومركز عناية مشددة على الفور، وهذا غير متوفرة في المشفى 112”.

وقال الطبيب عبدو لـ”ماري”: “تم إجراء إيكو قلب إسعافي للطفل في مشفى المجد الخاص، والذي يعتبر الوحيد في إدلب، وتبين وجود فتحتين في القلب، بالإضافة لارتفاع  توتر رئوي شديد جداً”، وهو ما يعني أن “الحالة تحتاج لوحدة عناية مشددة وتقييم مخبري مستمر، ومنفسة ومراقبة تمريضية دقيقة، ويحتاج لمركز مؤهل لاستقباله”، وبعد تنسيق مع المشافي التي تحوي مراكز عناية، “لم نجد أي شاغر، كما أن معبر باب الهوى [الحدودي مع تركيا] رفض استقبال الحالة، نتيجة إغلاق السلطات التركية للحدود”.

التكلفة الطبية الباهظة في مشفى المجد الخاص، والتي تصل لأكثر من 150 دولار يومياً، دفعت الأهل للقبول بأي خدمة طبية تقدم في مشفى مجاني، ما أجبرهم لترك طفلهم الوحيد تحت تصرف الكادر الطبي في المشفى “112 التخصصي” والذي يقدم خدماته الطبية المتواضعة بالمجان، رغم إخبارهم بأن احتمال نسبة شفاء الحالة قد لا تتجاوز 1% بسبب عدم توفر أي مقومات تساعد على علاج الطفل، بحسب ما أكده الطبيب محمد.

وبعد تقديم الإجراءات العلاجية المتوفرة من قبل الكادر الطبي في المشفى ضمن الإمكانيات المتاحة ورغم كافة الصعوبات التي واجهتهم أثناء العلاج، استطاع الكادر معالجة الحالة لتعود لحالتها الطبيعية بعد متابعة طبية فائقة استمرت لأكثر من عشرة أيام.

طفلان في حاضنة بإحدى مشافي إدلب. تصوير: إبراهيم الشمالي، 10/6/2020

عجز طبي

في منتصف آذار/مارس الماضي، اتخذت السلطات التركية إجراءات وقائية للحد من انتشار فيروس كورونا، ومن ضمنها قرار إغلاق المعابر مع الجانب السوري، الذي انعكس بآثاره السلبية على الشمال السوري كونه يعتمد بشكل أساسي على المشافي التركية، نتيجة ضعف التجهيزات الطبية الكافية لاستقبال هذه الحالات، بحسب ما أكدته مديرية صحة إدلب.

إذ بلغ عدد الحالات الطبية التي حولت إلى المشافي التركية، قبل إغلاق المعبر  ما يقارب 30 حالة يومياً، نصفها من الأطفال حديثي الولادة أو حوادث الأطفال أو تشوهات ولادية وعنايات أطفال، بحسب الإحصاءات الرسمية التي حصلت عليها “ماري” من مديرية الصحة. 

وفي حديثه لـ”ماري” قال الدكتور يحيى نعمة، مسؤول دائرة الرعاية الثانوية والثالثية في مديرية صحة إدلب، أن “الكوادر الطبية اضطرت لاستقبال حالات الأطفال التي تحتاج لعناية على أسرّة عادية أو على أسرّة بالغين، ما أدى إلى حدوث تراجع صحي في هذه الحالات، وبعضها انتهت بالوفاة”.

وأكد نعمة بأن “القدرة الاستيعابية في المشافي [شمال غرب سوريا] محدودة جداً، كون عدد المنافس الموجودة فيها أقل من المقياس العالمي بعشرة أضعاف، كذلك أجنحة الأطفال العادية عددها أقل بكثير مقارنة بالمعدل العالمي”.

إذ تواجه مديرية الصحة صعوبات كثيرة، أهمها نقص المنافس وأجهزة السباب (CPAP) التنفسي، وأسرّة عناية الأطفال، إضافة إلى انخفاض دعم المشافي وتمكينها لضمان استمرار العمل، كونها تتطلب كوادر طبية متخصصة وتغذية كهربائية مستمرة على مدار 24 ساعة، عدا عن غلاء وعدم توفر أدوية العناية، وفقاً لما أكده نعمة.

إغلاق المعابر كارثة تهدد حياة عشرات الأطفال

بعد 6 أسابيع من إغلاقها معبر باب الهوى، أدخلت السلطات التركية أول حالة طبية إلى أراضيها بشكل استثنائي في 22 نيسان/أبريل الماضي، والتي تعود إلى طفل بحالة صحية متدهورة، جاء ذلك بعد مناشدات متكررة من قبل الناشطين والمؤسسات المدنية بضرورة إدخال الطفل.

وقال مدير العلاقات العامة والإعلام في معبر باب الهوى، مازن علوش، أن “السلطات التركية وافقت على إدخال حالة أو حالتين إسعافيتين فقط باليوم، وتطور العدد مؤخراً ليصبح 4 أو 5  حالات يومياً”، واستدرك علوش في حديثه لـ”ماري” “وهو غير كافي، نظراً لعدد الحالات المرضية في شمال غرب سوريا”.

أما الحالات الطبية الباردة فقد استمر عدم استقبالها حتى تاريخ  الأول من حزيران/يونيو الجاري، وبعد مناشدات عدة من قبل إدارة المعبر للسلطات التركية في ضرورة إيجاد حل مؤقت للحالات الباردة، سمح الجانب التركي بدخول 5 حالات باردة بشكل يومي مقتصرة على مرضى السرطان فقط، وفقاً لما أكده علوش.

ممرضة تتابع علاج طفل حديث الولادة في إحدى مشافي إدلب. تصوير: إبراهيم الشمالي، 10/6/2020

وقبل إغلاق المعبر وصل عدد حالات الأطفال “الخدج” التي حولت إلى المشافي التركية عبر معبر باب الهوى، ما يقارب 100 حالة شهرياً، بحسب علوش. الأمر الذي ساهم في تخفيف العبء على المشافي في شمال غرب سوريا، ومكنها من تدبر العلاج وتشغيل المنافس للحالات المتبقية. إذ استقبل الجانب التركي في العام 2019 أكثر من 10 آلاف حالة مرضية، من بينها حوالي 1300 طفل حديث الولادة.

بمقارنة الأعداد التي استقبلتها المشافي التركية خلال العام الماضي مع الأعداد المسموح إدخالها حالياً، فإن العدد لا يتجاوز النصف، وهو ما يشكل عبئاً كبيراً على القطاع الطبي المنهك بالأصل نتيجة الاستهداف المتكرر وانقطاع التمويل، الأمر الذي يهدد حياة الكثير من الأطفال، الذين يحتاجون لخدمة طبية نادرة في المشافي المجانية، وباهظة الأجر في المشافي الخاصة إن وجدت.

لاسيما وأن القطاع الصحي شمال غرب سوريا يعاني من عجز كامل أمام بعض الحالات الطبية، نظراً لفقدان الأجهزة الطبية اللازمة، وانعدام بعض الأدوية والمستلزمات الطبية، وندرة بعض التخصصات الطبية، واستهداف المنشآت الطبية، إضافة إلى أزمة كورونا.

إذ بلغ عدد المنشآت الطبية التي تعرضت للاستهداف خلال الحملة العسكرية الأخيرة على شمال غرب سوريا من قبل القوات الحكومية السورية والروسية، من 26 نيسان/أبريل 2019 حتى حزيران/يونيو الجاري، 67 منشأة طبية من بينها مشافي تخصصية للأطفال والنساء، كما كان لتوقف الدعم الطبي أثره البالغ على تقديم الخدمات الطبية إذ توقف عدد من المشاريع الطبية الداعمة للقطاع الطبي في المنطقة.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق