تحقيقات

قانون “الأحوال الشخصية” يحرم السوريات ممارسة دورهن كأمهات

دمشق- لم يُكتب لعلاء، ثلاث سنوات، أن يتعرف على والده أو يسمع صوته، الذي فارق الحياة بقذيقة سقطت على حي جرمانا في ريف دمشق، منتصف 2017، وربما لن يكتب له السمع أبداً إن لم يسافر مع والدته إلى لبنان ليجري عملية “زرع حلزون” في أذنه تبرعت بها إحدى العائلات الميسورة هناك. 

والدة علاء (28 سنة) خسرت زوجها خلال الحمل، وبُعيد ولادته بأشهر اكتشفت أن رضيعها لا يسمع، وأنه بحاجة لعملية جراحية لا تملك تكلفتها، وهي “المُهجرة” أصلاً من مدينة حرستا في ريف دمشق، والمقيمة حالياً في منزل عائلة زوجها في جرمانا.

بعد وفاة جد الطفل ومن ثم والده بدأ شقيق زوجها بالضغط عليها لترك المنزل مستغلاً حاجتها إلى موافقته كي تتمكن من السفر مع ابنها، وتقول أم علاء “الحرب والنزوح بكوم وورقة الوصاية المؤقتة كوم ثاني”.
و”الوصاية المؤقتة” حق يمنحه القاضي لشخص من أجل مراعاة مصلحة الأولاد القصّر، والحال في سوريا يتطلب حصول الأم على وصاية مؤقتة في حال رغبت بالسفر برفقة أبنائها القصر دون مرافقة الأب، ما يضع العائلة بأكملها في حال غياب الأب تحت رحمة العم أو الجد لأن الوصاية المؤقتة بحاجة لتنازلهم عن وصايتهم الأصلية.

قصة سهام زوجة جندي سابق في القوات الحكومية السورية ليست بأفضل، إذ امتنع والد زوجها عن منح طفلها راتبه الشهري الـبالغ 31 ألف ليرة سورية (نحو 11 دولاراً، بحسب سعر الصرف البالغ 2,755 ليرة للدولار الأميركي الواحد)، وهو راتب تمنحه الدولة لورثة قتلى القوات الحكومية  كل حسب حصته، وهو ما اضطر سهام إلى توكيل محامٍ، ورفع دعوة قضائية استغرقت حوالي السنة حتى استعادت حق ابنها.

أما نور فقد سافر زوجها، واضطرت لتنفيذ معاملة طويلة لتحصل على وصاية مؤقتة بعد موافقة الجد الذي أظهر رفضاً للفكرة، وقالت نور لـ”ماري”: “منذ ثلاثة أيام نخرج كل صباح حتى نهاية دوام الموظفين، ومازلنا نحتاج لمزيد من الوقت للحصول على ورقة وصاية، عدا عن الإجراءات والمعاناة مع جد الفتاة لاقناعه”.

قصة السيدات الثلاث هي جزء من حوالي خمسمائة قضية تُعرض يومياً على القاضي الشرعي الأول في دمشق، بحسب ما ذكر  لمعدّ التحقيق في أيلول/سبتمبر من العام المنصرم، كما أنها جزء من معاناة السوريات العاجزات عن الحصول على وصاية دائمة على أولادهن في حالة وفاة الزوج أو فقدانه ليبقين عرضة لتحكم العائلة عند قيامهن بأي خطوة، أو استغلالهن من قبل بعض المحامين.
إذ بحسب الفقرة 3 من المادة 150 من القانون رقم 4 للأحوال الشخصية السوري، فإنه حتى السفر داخل المحافظات السورية بحاجة لموافقة القاضي، بـ”أن يأذن للأم الحاضنة أن تسافر بالمحضون داخل الجمهورية العربية السورية إلى البلدة التي تقيم فيها أو إلى البلدة التي تعمل فيها لدى إي جهة من الجهات العامة، شريطة تحقيق مصلحة المحضون”.

ولاية على الرضاعة والعناية فقط

قالت المحامية رهادة عبدوش، الناشطة في قضايا المرأة، أن “القانون يقف دائماً ضد المرأة فهي النصف الأضعف قانونياً ومجتمعياً، والنزاع المسلح في سوريا أظهر نتائج هذا التمييز ضدها”، مضيفة في حديثها لـ”ماري” بأنه “رغم محاولة القاضي الشرعي الحالي والذي سبقه مساعدة المرأة في أمور كثيرة تتعلق بالحضانة والوصاية، لكن المشكلة لا تقف عند هذه الأمور بل هي متشعبه تشمل كل القوانين التي لا تفصل بين الدين والدولة”.

 ورأت عبدوش، بأننا “نحتاج لقانون مدني تنطوي تحته كل الطوائف، وزواج مدني بحيث يصبح العقد فيه غير ديني أو ما يسمى عقد نكاح”.

كذلك شرحت شكرية محاميد، محامية وعضو سابق في مجلس الشعب السوري، بأن “القانون السوري منح الأم ولاية حضانة طفلها، وجعلها محددة بـإرضاعه والعناية به فقط، أما الولاية على النفس والمال فلا دور للأم فيها”، مع الإشارة إلى أن هذه الحضانة تتيح لها تسجيل أولادها في المدارس دون الرجوع لأحد أو إصدار الهوية الشخصية لهم، لكن لا تتيح لها إصدار جواز سفر  لأحد أبنائها ممن هم دون الثامنة عشر، لأن “الولي الوصي بعد الأب هو الجد من العصبة أو العم، إلا إذا تقدمت الأم للقاضي الشرعية بطلب للحصول على وصاية شرعية لإصدار جواز سفر”.

وتنظم المادة /148/ من قانون الأحوال الشخصية، سفر الأولاد، والتي تنص: “للأم الحاضنة أن تسافر بالمحضون بعد انقضاء عدتها دون إذن الولي إلى بلدتها التي جرى فيها عقد نكاحها”، كذلك “لها أن تسافر به داخل القطر إلى البلدة التي تقيم فيها أو إلى البلدة التي تعمل فيها لدى أي جهة من الجهات العامة شريطة أن يكون أحد أقاربها المحارم مقيماً في تلك البلدة”.

وبخصوص مصير أموال الزوج بعد وفاته أو اختفائه،فإن القانون ينص بأنه “في حال كان الأولاد دون السن القانوني فإن الولي له الوصاية على أملاك القاصر، ويشترط في الولي على المال أن يحافظ على أموال القاصر”، وقد يكون الولي الجد أو العم أو الأخ الأكبر الراشد أو غيرهم، أما “الزوجة فلا يحق لها التصرف بأموال أولادها لأنها ليست وصية على مالهم”، بحسب محاميد. مضيفة بأن المادة /173/ من قانون الأحوال الشخصية، تتيح للأم سحب هذه الوصاية منهم إذا لم يكونوا مناسبين.

ويمكن أن يصبح القاضي الشرعي هو الولي بموجب المادة/179/، إذ يمكن أن “ينصب القاضي وصياً خاصاً مؤقتاً عند تعارض مصلحة القاصر مع مصلحة الوصي أو زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو من يمثلهم الوصي”. 

وعن الإجراءات أوضحت المحامية ردينة تميم، بأنه “يمكن للزوجة الحصول على ورقة الوصاية الشرعية المؤقتة، بتقديم ضبط شرطة يثبت أن زوجها مفقود”، ولأن هذا الأمر غير ممكن مع جميع المفقودين، “تلجأ السيدة لموضوع الشهود”.

مع ذلك، لا يبدو أن الموضوع سهل، إذ بحسب ما قالت تميم، لـ”ماري” “نعاني من المفاهيم المغلوطة في المجتمع، فالكثيرون يرفضون الشهادة”. مضيفة “عندي حالة بقيت ستة أشهر تبحث عن شخص يقبل بالشهادة رغم أن زوجها اختفى منذ أربع سنوات. يوجد خوف لدى الناس من الموضوع الأمني رغم أن الأمر بسيط وهو لا يسبب أي ضرر على الشاهد”.

وتابعت المحامية تميم ، بأنه “في حال سفر الزوج بشكل نظامي يتوجب على السيدة الحصول على بيان مغادرة له ترفق مع طلب تشتريه من القصر [العدلي] وتقدمه للديوان فيتم تحويلها إلى أحد القضاة ليبت بقضيتها، وفي حال سفره بشكل غير نظامي تعتمد السيدة على تقديم شاهدين كي يتأكد القاضي من موضوع السفر”.

مواطنون داخل قصر العدل في العاصمة دمشق. 12/3/2020 (ماري)

 

وخلال جولة قام بها معد التحقيق في القصر العدلي بدمشق، وتحديداً في القسم المخصص للمحكمة الشرعية وفي الديوان، التقى خلالها بعدة سيدات يقدمن أوراقهن للحصول على “الوصاية”، وأجمعن غالبيتهن بأن صعوبة الأمر تتمثل بتوفير الأوراق، وأحياناً التعرض للسماسرة ممن يهولون الأمر كي يجذبون الزبائن، وهو ما تعرضت له سامية بالفعل حينما أوكلت محامي للحصول على راتب ابنها، إذ تعمد تضخيم الموضوع وإحساسها بأن الأمر يحتاج للكثير من الوقت والوساطات، واستشهد لها بقصص سيدات ضاع حقهن لعدم توكيل محام.

أصوات غير مسموعة

قالت ربا ميرزا، مديرة “جمعية سورية المدينة”، أنه “يوجد مخالفة واضحة من أعضاء مجلس الشعب في الدورة الماضيتين، حيث طلب الدستور تعديل بعض القوانين وللأسف لم يتحرك أي عضو بهذا الإطار”.

وأضافت ميرزا في حديثها لـ”ماري” في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أنهم عملوا مع جمعيات أخرى لتقديم مقترح هدفه تعديل بعض مواد قانون الأحوال الشخصية، والتي من ضمنها الوصاية، بما لا يتعارض والشريعة الإسلامية، مشيرة إلى أنهم خلال نشاطاتهم تواصلوا مع عدد من أعضاء مجلس الشعب، الذين وعدوا بطرح القضية على المجلس، كما التقوا بوزير الأوقاف وبحثوا الموضوع معه.

المحامي ونائب رئيس مجلس إدارة جمعية “نريد أن نفرح”، لؤي شنودي، كان من ضمن المهتمين في تعديل هذه المواد، وعمل مع عدة جمعيات مدنية على ذلك. وتحدث شنودي لـ”ماري” عن دورهم الذي تمثل بـ”أخذ رؤية هذه الجمعيات، وتنظيم مسودة لتعديل بعض المواد التي تتوافق مع الشرع وروح القانون بشكل عام”.

من جانبها، شرحت المحامية رولا باش إمام، رئيسة مجلس إدارة “نريد أن نفرح”، بأن أهم التعديلات التي اقترحوها، “سكن المحضون، وهو غير موجود في القانون السوري، أي أن يوفر الأب سكن للحاضنة والمحضون، وفي حال عدم توفره يجب أن يمنحها أجر للسكن ويجب أن يكون مناسب لأمثالها”. 

وأضافت باش إمام أنهم اقترحوا تعديل المادة 143 من قانون الأحوال الشخصية حتى يحق للمرأة الحصول على النفقة في عدة الطلاق، كما اقترحوا تعديل المادة 148 المتعلقة بسفر الطفل، “وطلبنا اعتماد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة وهو حق حفظه الدستور والاتفاقيات الدولية، لهذا يجب أن يرجع الزوج إلى الزوجة وأن يُأخذ إذنها إذا أراد السفر مع الطفل”.

إضافة إلى ذلك، تعمل مؤسسات إعلامية في مجال التوعية القانونية، مثل راديو سوريات -منظمة سورية غير ربحية تنشط في مجال التنمية داخل سوريا- الذي يحاول عبر برامجه وورشات العمل التي يعقدها تحقيق التوعية القانونية في المجتمع.

وقالت أميرة مالك، مديرة راديو سوريات، لـ”ماري”، أن “المشكلة التي تواجه الحراك النسوي والمدني عند محاولاتهم تغيير القانون، هي عدم قدرتهم على أن يكون عملهم مرخص بشكل رسمي في الغالب، ولا أن يمارسوا عملهم بمستوى عالي من التنظيم، نظراً لوجود بند في قانون الجمعيات يمنع تأسيس منظمات نسوية”.

لا مساواة في الحقوق

في القصر العدلي بدمشق، لا يمكنك أن تتوه عن باب القاضي الشرعي، لأنه ثمة طابور طويل من مئات النساء سيدلك عليه، لذا كان من الواجب على معد التحقيق الانتظار إلى ما بعد الساعة الثالثة ظهراً إلى حين انتهاء القاضي الشرعي الأول بدمشق، محمود المعراوي، من عمله.

وقال المعراوي، لـ”ماري” “لا يوجد تضارب في الحقوق، للرجل حق الولاية على المال والمرأة لها حق الحضانة والرضاعة على أولادها”، مضيفاً “الحضانة الأصل للأم والمنطق يقول كذلك، أما الولاية فهي للأب والمنطق يقول الأب أقدر على التصرفات المالية المتعلقة بأولاده وإدارة أمورهم”، وبرأيه: “هناك تساوي في هذه الموضوع، لا يوجد أي هدر لحقوق المرأة في هذه الناحية”.

ويرى معراوي أن “المرأة في بعض الأحيان متميزة عن الرجل، ففي حال طلبت حضانة أولادها فالقانون يمنحها لها مباشرة، وذلك بمجرد تقديمها طلب إداري ويرغم الأب على تسليم الأولاد، في حين أن الرجل يحتاج لمعاملة طويلة قد تستغرق سنوات حينما يطالب بحضانة الأولاد بعد بلوغهم السن القانوني”.

وأوضح معراوي، أن “عدد طلبات الولاية والوصاية التي تقدم يومياً يتجاوز الألف طلب في المحكمة الشرعية بدمشق فقط”، وأنهم يحاولون دائماً مراعاة مصلحة الطفل وتسهيل منح الأم وصاية مؤقتة لإجراء بعض التصرفات من قبيل: التسجيل في المدارس، ومراجعة المراكز الصحية لأخذ اللقاحات الدورية وغيرها، التي هي بالأصل من اختصاص الأب، ولكن “بعد التأكد أن الأب غير موجود أو مسافر أو محاصر أو مفقود وهكذا”.

ويدافع معراوي عن “ضرورة أخذ موافقة ولي الأمر بخصوص سفر الطفل، لأن القانون عمل على المساواة بين الرجل والمرأة، فالوصي إذا أراد السفر بأولاده القاصرين يجب أن يأخذ إذن الحاضنة”، مضيفاً “لابد أن تحصل على موافقة الوصي عند السفر، ولا أعتقد أنه يوجد قانون في العالم يسمح للمرأة أن تسافر من دون موافقة الوصي، للوصي الحق أن يرعى الموصى عليهم، و يمارس حقه بالوصاية، فهل يعقل أن نقول للمرأة سافري من دون موافقة الوصي، فتأخذ الأولاد وتسافر”.

ويمكن للأم أن “ترفع دعوى عزل ولاية على الجد [الوصي]، وتطلب محاسبته عن جميع المبالغ التي قبضها عن القاصرين وممكن أن تحجز على أمواله إذا تصرف بها، وبالتالي تطالب بعزله وتعينها هي الوصية، إذا ثبت كلامها أمام المحكمة بالوقائع وشهود وبيانات، فالمحكمة تحكم بإسقاط ولايته وتعينها وصية” بحسب معراوي، مضيفاً “حقوق الأم أو المرأة على أولادها محفوظة بالقانون بشكل جيد ولا يوجد أي تمييز”.

وعن الإجراءات الواجب القيام بها للحصول على الوصاية أوضح معراوي، أن الإجراءات تقتصر على شهادة شاهدين أو ضبط شرطة بأن الزوج مفقود أو صدور قرار من جهات سواء من قيادة الشرطة أو من وزارة الدفاع بأن الزوج مفقود.

ويُترك تحديد المدة التي يصبح من خلالها الزوج مفقوداً للقاضي، بحيث لا تقل عن سنة ولا تزيد على أربع سنوات من تاريخ فقده، ويستعين القاضي في ذلك بالوسائل المعاصرة في البحث والاتصال، ويراعي ظروف كل حالة وملابساتها، ويحكم بما يغلب على ظنه فيها.

أعضاء مجلس الشعب

حملنا أسئلتنا واستفساراتنا إلى عضو مجلس الشعب القاضي شحادة أبو حامد، في شباط/فبراير 2020، الذي نفى تعارض قانون الأحوال الشخصية المعمول به في سوريا مع دستور البلاد، ووصفه بأنه أحاط كل الجوانب المتعلقة بالأسرة بالإضافة لمجارة  مواثيق حقوق الإنسان والطفل المصادق عليها، مستبعداً تعرض المرأة بموجب القانون لأي تمييز، قائلاً: “حق المرأة متاح لكن ضمن الأصول والقوانين المتبعة في نصوص المواد قانون الأحوال الشخصية، سواء الوصاية على مال القاصر أو على النفس أتاح القانون حق الوصاية للمرأة”.

وختم أبو حامد لـ”ماري” بأن الجهة المعنية بالنظر في شكاوى الناس المتعلقة بأمر الوصاية هو من شأن المحكمة الشرعية وحدها،  التي “قللت من تفاقم الخلافات التي حصلت، إذ كانت تسمع من الولي الشرعي سواء الأب أو الجد وتسمع من الأم، ورغم أن القانون اعطى للجد حق التصرف ولكن القاضي حافظ على حقوق الأطفال”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق