تحليلات

“توجه دولي جديد” أين تضع البازارات الدولية إدلب؟

باريس – فيما وصلت المفاوضات السياسية الروسية-التركية إلى طريق مسدود، انعكس ذلك ميدانياً في شمال غرب سوريا، إذ اشتعلت معها جبهات ريف حلب الغربي، مع استمرار الحملة العسكرية التي تشنها القوات الحكومية مدعومة بالمليشيات الأجنبية والمقاتلات الروسية على ريف إدلب الجنوبي، منذ منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2019.

وتحاول القوات الحكومية بدعم روسي العمل عبر جبهة إدلب لفتح الطرقات الدولية، بينما تسعى عبر جبهة ريف حلب الغربي للضغط سياسياً على الأتراك، لاسيما بعد فشل اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في إدلب، الموقع بين الروس والأتراك، والذي دخل حيز التنفيذ فجر 12 كانون الثاني/ يناير الجاري. 

إذ خرقت القوات الحكومية والمقاتلات الروسية الاتفاق باستمرار حملتها البرية والجوية على جنوب إدلب، وأيضاً تصعيدها الجوي والتمهيد الناري على مناطق غرب حلب، ما دفع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للقول بأنه “مايجري في إدلب يثير الإزعاج” مضيفاً أنه سيناقش الأمر مع نظيره الروسي خلال قمة برلين حول ليبيا.

وأبعد من ذلك ذهب وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في لقاء على قناة “CNN TÜRK” يوم الأربعاء الماضي، إلى أن “النظام السوري يؤمن بالحل العسكري، ويجب إيقافه، وفي حال تحول الصراع إلى حرب شوارع، فلن تنتهي هذه الحرب”. مضيفاً أن وقف إطلاق النار لن ينهار ، لكن إذا استمرت الهجمات والانتهاكات فلن يكون من الممكن الحديث عن وقف إطلاق نار.

معركة جديدة

بدأت دمشق بحشد قواتها على محور ريف حلب الغربي في أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2019، لتبدأ يوم الجمعة الماضي بتصعيد جوي على مدن وبلدات غرب حلب مع تمهيد ناري على جبهات المعارضة في المنطقة ذاتها، في محاولة لإيصال “رسائل سياسية للجانب التركي، إثر الخلافات الحاصلة بين أنقرة وموسكو في الملف الليبي” بحسب ما قال الخبير العسكري والاستراتيجي، أحمد رحال، لـ”ماري”.

وكان فريق “منسقو استجابة سوريا” قال في بيان له الإثنين الماضي، أنهم وثقوا مقتل 43 مدنياً، بينهم 13 طفلاً و 3 نساء، ونزوح 31,419 مدنياً، منذ الإعلان عن “وقف إطلاق النار” في 12 كانون الثاني/ يناير الجاري، وحتى تاريخ نشر البيان،  إثر خروقات القوات الحكومية والروسية لوقف إطلاق النار في شمال غرب سوريا.

ولم يتأخر الرد التركي على رسائل موسكو، إذ زودت أنقرة بعض فصائل المعارضة السورية التي تقاتل على جبهات إدلب، بصواريخ “تاو”، و”ضوء أخضر” محدود، الأمر الذي أدى لإحداث “توازن عسكري جديد في الموازين شمال سوريا”، وفقاً لرحال.

وكانت فصائل المعارضة في إدلب بما فيها هيئة تحرير الشام، شنت هجوماً معاكساً على القوات الحكومية والروسية في ريف إدلب الشرقي، يوم الجمعة الماضي، لتعلن سيطرتها على تلي خطرة ومصيطف “الاستراتيجيين” على حد وصفها.

وفي الجبهة الثانية (غرب حلب)، على الرغم من وصول حشود عسكرية للقوات الحكومية إلى غربي حلب، إلا أن موسكو لم توعز بعد للقوات الحكومية بالبدء الفعلي بعملية عسكرية برية، على عكس ما يجري في إدلب. ويرى رحال أن “تضاريس ريف حلب الغربي مختلفة تماماً عن إدلب، فهي ليست منبسطة” بالإضافة إلى أن فصائل المعارضة فيها “لم تقاتل منذ أكثر من عامين، وهي مستعدة بالوقت الحالي”، الأمر الذي لا يصب في مصلحة روسيا والحكومة السورية، مرجحاً أن “تحصل توافقات دولية جديدة” ما يعني تأجيل الحملة العسكرية أو إنهائها. 

الطرق الدولية

توصلت موسكو وأنقرة في أيلول/سبتمبر 2018 إلى اتفاق جديد في شمال غرب سوريا، يقضي بإنشاء منطقة “عازلة” منزوعة السلاح بعمق 15-20 كيلومتراً، على طول خط التماس بين القوات الحكومية والمعارضة، وتضمن الاتفاق وقفاً لإطلاق النار، وتسيير دوريات تركية-روسية لمراقبة المنطقة، وصولاً إلى استعادة الحركة التجارية على الطريقين الدوليين دمشق-حلب (M5) وحلب-اللاذقية (M4) وهو ما لم يحصل.

ومنذ شباط/ فبراير 2019 توالت الحملات العسكرية لدمشق وحلفائها على إدلب، تقدمت خلالها إلى مناطق كانت خاضعة لسيطرة المعارضة في ريفي إدلب الجنوبي وشمال حماة، آخرها الحملة العسكرية التي بدأتها القوات الحكومية في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2019 باتجاه مدينة معرة النعمان الواقعة على طريق M5 جنوب إدلب، إذ تعتبر الحكومة السورية وحليفتها موسكو، السيطرة على الطرق الدولية مسألة سيادية “متفق عليها” في مباحثات “أستانة”، الأمر الذي ترفضه فصائل المعارضة السورية، “نافية” وجود ما يسمح للقوات الحكومية باستعادة المنطقة.

إذ نفى قائد الفرقة الخامسة في الجبهة الوطنية للتحرير، التابعة للمعارضة السورية، النقيب مصطفى معراتي، في حديثه لـ”ماري” وجود أي اتفاقيات في مؤتمر الأستانة بين الدول الثلاثة (روسيا، تركيا، وإيران) تسمح للقوات الحكومية باستعادة السيطرة على الطرق الدولية، مؤكداً أنهم أوقفوا هجمات القوات الحكومية من بلدة جرجناز التي تعد محوراً رئيساً لتلك القوات التي تسعى للتقدم باتجاه معرة النعمان التي تربط بين أرياف محافظتي حلب وحماة، والتي تشرف على الطريق الدولي حلب -دمشق.   

ووفقاً، لمصدر مطلع من فصائل المعارضة السورية، طلب من “ماري” عدم الكشف عن اسمه لدواعٍ أمنية، إنه جرى الاتفاق في مباحثات أستانة على دخول القوات الحكومية ومؤسسات الدولة إلى المناطق المحيطة بالطرق الدولية (M5 و M4)، مشيراً إلى أن روسيا تريد “تسهيل النشاط التجاري للحكومة السورية عبر الطرق الدولية، واستعادة السيادة السورية”، فيما يتولى الجانب التركي، بحسب المصدر ذاته، “منع فصائل المعارضة من استهداف أو التأثير على المصالح الروسية”.

فيما أكد الخبير رحال، أن “الغاية، ليست تأمين طريق دمشق-حلب، إنما غازي عنتاب-عمّان”.

خلافات على تنفيذ البنود

نصت مباحثات أستانة التي وصلت إلى 14 جولة، على العديد من البنود، والتي تمت بموافقة فصائل المعارضة السورية، من بينها ما يضمن سيادة “الجمهورية العربية السورية”، إلى جانب فتح الطرق الدولية، وقتال التنظيمات “الإرهابية” التي تتبع لتنظيم القاعدة.
وبناءً على ذلك، يعمل الأتراك عبر “التوفيق” بين علاقتهم الاستراتيجية مع الروس، وعلاقتهم مع فصائل المعارضة الطرف الثاني من المعادلة، إلا أن “الروس استطاعوا الفصل بين الأتراك وفصائل المعارضة” بحسب الرحال.

مضيفاً “قد يستجيب الروس لمصالح الأتراك، لكن هذا بمعزل عن فصائل المعارضة ومطالبهم”، وهو ما مكن الحكومة السورية من “إعادة فرض نفسها على أنها أمر واقع، ويجب من المجتمع الدولي التعامل معها على أساس سياسة الأمر الواقع”، في الوقت الذي يعمل فيه الروس على إعادة “مؤسسات الدولة” بما فيها المؤسسات الأمنية، لاسيما وأن الدولة السورية تعمل ضمن “سياسة العمل الأمني المحكم”.

إلا أن الباحث في الشؤون السورية بمركز جسور، عبد الوهاب العاصي، أكد لـ”ماري”، بروز خلافات بين الضامنين لمباحثات أستانة، نظراً لـ”غياب وجود فهم مشترك لتطبيق البنود، وكذلك مدّة التنفيذ القصير وغير الكافية”.

إذ برزت تلك الخلافات، حينما حشدت روسيا قوة عسكرية كبيرة لاجتياح منطقة خفض التصعيد (إدلب وريف حماة الشمالي) في آب/ أغسطس 2018، قبل أن يستوعب الأتراك الهجوم، ويوقعوا مع الروس مذكرة “سوتشي” في أيلول/ سبتمبر من العام ذاته.
مع ذلك، لم تتوقف الحملات العسكرية الروسية والحكومية السورية على المنطقة، إذ في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، قامت روسيا بأول حملة بعد “سوتشي”، والتي اقتصرت على قصف صاروخي وجوي دون التوغل البري، في محاولة للضغط على الجانب التركي لتسريع تطبيق بنود سوتشي، إلا أن تعثر تطبيق البنود، دفع الروس مرة أخرى لإطلاق حملة جديدة في كانون الأول/ديسمبر 2018، لكن دون جدوى، بحسب العاصي.

أيضاً، في شباط/ فبراير 2019 عاد الروس لإطلاق الحملة العسكرية الثالثة، التي أخذت شكل الاجتياح البري في أيار/ مايو من العام نفسه، والتي انتهت بسيطرة القوات الحكومية على كامل القطاع الجنوبي لمنطقة خفض التصعيد، وتطويق نقطة المراقبة التركية في مورك. بهذه السيطرة الواسعة، والتغير في خارطة السيطرة، سارع الروس لإعلان هدنة أحادية الجانب نهاية آب/ أغسطس 2019، “خشية أن يساهم اختراق وقف إطلاق في تقويض اتفاق سوتشي”، ومن ثم عقدت مع تركيا اجتماعاً ثنائياً رفيع المستوى في موسكو، “ساهم في تكريس التهدئة”، وفقاً لما قال العاصي.

إلا أنه نتيجة لعدم استجابة الأتراك لمصالح الروس ومخاوفهم المتعلقة بحماية قاعدة حميميم ومواقع انتشار القوات الروسية في محيط مناطق خفض التصعيد، وافتتاح الطرق الدولية والمعابر عبر سوتشي، بضمانة تركيا، دفع روسيا إلى “الاستمرار باعتماد خيار الحسم العسكري، لتأمين ضمانة منفردة على المنطقة العازلة”، وبناء عليه أطلق الروس الحملة العسكرية الرابعة في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، والتي ما تزال مستمرة حتى اللحظة. 

وتعليقاً على الموقف التركي تجاه الحملات العسكرية المتلاحقة للروس والقوات الحكومية، قال قائد الفرقة الخامسة، النقيب مصطفى معراتي، أن تركيا “لم تتخلى عن فصائل المعارضة” مشيراً إلى أن تركيا “تحارب على عدة جبهات” وأن نقاط المراقبة التركية ماتزال موجودة.

مضيفاً “ستبقى الفصائل تدافع عن المنطقة، ولنا استراتيجية معينة بعدم ترك هذه المنطقة كونها تعني لنا الكثير، فقد حررت بدماء مقاتلينا، ونعتبرها سورية المصغرة، كونها تحوي ملايين السوريين من مختلف المناطق السورية”. 

إلى أين تتجه الأمور

يرى الخبير العسكري أحمد رحال أن زيارة جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، إلى تركيا واجتماعه مع كبار المسؤولين في تركيا، وقادة في المعارضة السورية، أحدثت “انعكاسات إيجابية” على فصائل المعارضة، وهو ما يعني بحسب رحال، أن الأيام القادمة قد تحمل بعض “المتغيرات” في الشأن السوري، إذ “قد تحمل زيادة في التوتر بين موسكو وأنقرة” مقابل “دفء” في العلاقات الأميركية التركية.

مؤكداً أن الأمور تتجه لمزيد من عمليات التصعيد في القصف الجوي واستخدام القوة العسكرية للسيطرة على جيوب جديدة للمعارضة “في حال استطاع الروس ذلك”، لاسيما وأن “المزاج العالمي الجديد، هو إعادة التوازن الاستراتيجي في الجغرافية السورية، وذلك عبر دعم المعارضة بصواريخ التاو”. 

وهو ما يؤكده الباحث عبد الوهاب العاصي، أن “الروس سوف يستمرون بالخيار العسكري، ما لم تستجب تركيا لتطبيق اتفاق سوتشي”، مع الأخذ بعين الاعتبار “الواقع الميداني الجديد”، معتمدة بذلك على أسلوب “القضم البطيء لجيوب وخواصر المنطقة العازلة وتحييد فاعلية نقاط المراقبة التركية -التي انشأت بناءً على اتفاق سوتشي- شيئاً فشيئاً”.

ماهر الحمدان

صحفي سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق