مقدمة تنفيذية
شهدت الساحة السورية منذ اندلاع الثورة عام 2011 تحولات بنيوية عميقة في بنيتها السياسية والأمنية والاجتماعية، نتج عنها إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة والمجتمع، وظهور فاعلين جدد من غير الدول، لعبوا أدوارًا متزايدة التأثير في مسار الصراع ومستقبل الكيان السياسي السوري. وفي هذا السياق برزت الحركة السياسية والعسكرية الكردية في شمال وشرق سوريا بوصفها أحد أبرز هذه الفواعل، حيث انتقلت من حالة التهميش السياسي والتنظيمي إلى موقع متقدم في المعادلة السورية، مستفيدة من الفراغ الأمني، والتحولات الإقليمية، والدعم الدولي المتفاوت.
وقد مثّل صعود حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وتأسيس الإدارة الذاتية، ثم الإعلان عن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عام 2015، نقطة تحول مركزية في مسار الحركة الكردية السورية، سواء على مستوى التنظيم السياسي والعسكري، أو على مستوى العلاقة مع الدولة السورية، ومع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري. إذ لم يعد الدور الكردي مقتصرًا على المطالبة بالحقوق الثقافية أو السياسية، بل تطور إلى مشروع حكم ذاتي فعلي، مدعوم بقوة عسكرية منظمة، وشبكة مؤسسات إدارية وأمنية، تسيطر على مساحات جغرافية واسعة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية.
غير أن هذا التحول البنيوي في مسار العمل الحزبي الكردي لم يكن مجرد انتقال من الهامش إلى المركز، بل رافقه في بعض التجارب انزلاق متزايد نحو عسكرة العمل الحزبي، وظهور حالة من التداخل المركب بين النشاط السياسي والتنظيم المسلح، بما جعل بعض الأحزاب تتحول من أدوات تمثيل سياسي إلى أطر تنظيمية ذات طابع عسكري–أمني عابر للحدود. ويبرز في هذا السياق حزب العمال الكردستاني (PKK) بوصفه نموذجًا مركزيًا لهذا التحول، سواء من حيث بنيته الأيديولوجية والتنظيمية، أو من حيث امتداداته الإقليمية، وتأثيره المباشر وغير المباشر في تشكيل التجربة الكردية المسلحة داخل سوريا، ولا سيما عبر حزب الاتحاد الديمقراطي بوصفه الفاعل المحلي الأكثر ارتباطًا بهذا المسار.
وفي مقابل هذا الصعود للنموذج السياسي–العسكري، تراجعت أدوار التيارات الكردية السياسية المدنية، وعلى رأسها الأحزاب المنضوية في المجلس الوطني الكردي (الإنكسة)، التي تبنّت خطابًا سياسيًا يطالب بالحقوق القومية ضمن إطار الدولة السورية والحل السياسي الشامل، لكنها افتقرت إلى أدوات الفعل الميداني في سياق صراع مُعسكر، ما أدى إلى تهميشها وإقصائها من المجال العام في المناطق ذات الغالبية الكردية. وقد أسهم هذا التغييب في إفراغ الساحة الكردية من بدائل سياسية مدنية قادرة على موازنة منطق القوة، وأدى إلى احتكار التمثيل من قبل فاعل واحد ذي طابع أمني–عسكري.
وقد أسهم هذا النمط من التنظيم السياسي–العسكري في إنتاج أشكال من العنف المنظم والممارسات التي اتخذت في بعض السياقات طابعًا راديكاليًا، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الأمن القومي السوري والأمن الإقليمي لدول الجوار، من خلال زعزعة الاستقرار الداخلي، وتعقيد التوازنات الحدودية، وإعادة إدراج القضية الكردية ضمن مقاربات أمنية إقليمية ودولية، بدل التعامل معها بوصفها قضية سياسية–حقوقية قابلة للحل ضمن إطار الدولة الوطنية.
كما لم تقتصر تداعيات هذا التحول على المستوى الأمني والإقليمي فحسب، بل امتدت آثارُه إلى داخل المجتمعات الكردية نفسها، حيث أسهمت عسكرة المطالب السياسية وربطها بأجندات تنظيمية عابرة للحدود في إضعاف الشرعية السياسية والأخلاقية للقضية الكردية، وتشويه بعدها الحقوقي، وتحويلها تدريجيًا من قضية مواطنة وحقوق إلى ملف أمني إشكالي، وهو ما ألحق ضررًا بالغًا بمصالح المجتمعات الكردية على المدى البعيد.
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تسعى إلى تحليل الحياة السياسية الكردية في سوريا ضمن إطارها التاريخي والسياسي والأمني الأشمل، مع التركيز على التحول من التعددية الحزبية إلى احتكار التمثيل، ومن الفعل السياسي المدني إلى التنظيم المُعسكر، ودراسة انعكاسات ذلك على بنية الحركة الكردية نفسها، وعلى وحدة الدولة السورية، وعلى البيئة الإقليمية المحيطة، وذلك بعيدًا عن المقاربات الأيديولوجية أو السرديات التبريرية، ومن خلال مقاربة تحليلية نقدية متعددة الأبعاد.
ويهدف هذا العمل إلى المساهمة في إعادة تأطير النقاش حول المسألة الكردية السورية، من خلال إبراز حدود النموذج المُعسكر، وكلفة تغييب البدائل المدنية، وطرح أسئلة جوهرية حول شروط إدماج الأكراد في دولة سورية موحدة، قائمة على المواطنة والتعددية، لا على منطق القوة وفرض الأمر الواقع.
يمكنكم متابعة الدراسة من هنا تحول العمل الحزبي الكردي في سوريا.docx